الشيخ محمد رشيد رضا
288
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
لعبادته ، وكان من اتبعوه من العوام ، وأمثلهم حواريه وهم من الصيادين ، وقد اشتد اليهود في عداوتهم ومطاردتهم ، فلم تكن لهم هيأة اجتماعية ذات قوة وعلم تدون ما حفظوه من إنجيل المسيح وتحفظه . ويظهر من تاريخهم وكتبهم المقدسة ان كثيرا من الناس كانوا يبثون بين الناس في عصرهم تعاليم باطلة عن المسيح ، ومنهم من كتب في ذلك ، حتى أن الذين كتبوا كتبا سموها الأناجيل كثيرون جدا كما صرحوا به في كتبهم المقدسة وتواريخ الكنيسة . وما ظهرت هذه الأناجيل الأربعة المعتمدة عندهم الآن الا بعد ثلاثة قرون من تاريخ المسيح عندما صار للنصارى دولة بدخول الملك قسطنطين في النصرانية ، وإدخاله إياها في طور جديد من الوثنية ، وهذه الأناجيل عبارة عن تاريخ ناقص للمسيح ، وهي متعارضة متناقضة مجهولة الأصل والتاريخ ، بل وقع الخلاف بينهم في مؤلفيها واللغات التي ألفوها بها . وقد بينا في تفسير أول سورة آل عمران حقيقة إنجيل المسيح وكون هذه الكتب لم تحو إلا قليلا منه كما تحتوي السيرة النبوية عندنا على القليل من القرآن والحديث . وهذا القليل من الإنجيل قد دخله التناقض والتحريف وقد أورد الشيخ رحمة اللّه الهندي في كتابه ( اظهار الحق ) المشهور مئة شاهد من الكتب المقدسة عند اليهود والنصارى على التحريف اللفظي والمعنوي فيها ، نقلت بعضها على سبيل النموذج في تفسير آية النساء ( 4 : 48 ) ومنها ما عجز مفسرو التوراة عن تمحل الجواب عنه وجزموا بأنه ليس مما كتبه موسى عليه السّلام . فراجعه في ( ص 140 من جزء التفسير الخامس ) . والظاهر أن التنكير في قوله « نصيبا وحظا » للتعظيم أي ان ما نسوه وأضاعوه منه كثير ، وما أوتوه وحفظوه كثير أيضا ، فلو كانوا يعملون به ما فسدت حالهم ، ولا عظم خزيهم ونكالهم . وهذا هو المعقول في حال عدم حفظ الأصل بنصه في الصدور والسطور ، ونحن نجزم بأننا نسينا وأضعنا من حديث نبينا ( ص ) حظا عظيما لعدم كتابة علماء الصحابة كل ما سمعوه ، ولكن ليس منه ما هو بيان للقرآن أو من أمور الدين ، فان جميع أمور الدين مودعة في القرآن ومبينة في السنة العملية ، وما دون من الحديث مزيد هداية وبيان . هذا وان العرب كانت أمة حفظ ودونوا الحديث في العصر الأول ، وعنوا بحفظه وضبط متونه وأسانيده عناية شاركهم فيها كل من